ابن كثير
458
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أي ذو العزة الذي قد قهر بها كل شيء وغلبت كل شيء ، الحكيم في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره ، تبارك وتعالى وتقدس عما يقولون علوا كبيرا ، واللّه أعلم . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 28 إلى 30 ] وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 28 ) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 29 ) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ ( 30 ) يقول تعالى لعبده ورسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم تسليما وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً أي إلا إلى جميع الخلائق من المكلفين كقوله تبارك وتعالى : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [ الأعراف : 158 ] تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [ الفرقان : 1 ] ، بَشِيراً وَنَذِيراً أي تبشر من أطاعك بالجنة وتنذر من عصاك بالنار وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ كقوله عز وجل : وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [ يوسف : 103 ] وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ الأنعام : 116 ] . قال محمد بن كعب في قوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ يعني إلى الناس عامة . وقال قتادة في هذه الآية : أرسل اللّه تعالى محمدا صلى اللّه عليه وسلم إلى العرب والعجم ، فأكرمهم على اللّه تبارك وتعالى أطوعهم للّه عز وجل . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبد اللّه الظهراني ، حدثنا حفص بن عمر العدني ، حدثنا الحكم يعني ابن أبان عن عكرمة ، قال : سمعت ابن عباس رضي اللّه عنهما يقول : إن اللّه تعالى فضل محمدا صلى اللّه عليه وسلم على أهل السماء وعلى الأنبياء . قالوا : يا ابن عباس فيم فضله على الأنبياء ؟ قال رضي اللّه عنه : إن اللّه تعالى قال : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ وقال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ فأرسله اللّه تعالى إلى الجن والإنس . وهذا الذي قاله ابن عباس رضي اللّه عنهما قد ثبت في الصحيحين رفعه عن جابر رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة » « 1 » وفي الصحيح أيضا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « بعثت إلى الأسود والأحمر » « 2 » قال مجاهد : يعني الجن والإنس . وقال غيره : يعني العرب والعجم ، والكل صحيح .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجهاد باب 122 ، والصلاة باب 56 ، والتيمم باب 1 ، ومسلم في المساجد حديث 3 ، 5 ، 7 ، 8 . ( 2 ) أخرجه مسلم في المساجد حديث 3 والدارمي في السير باب 28 وأحمد في المسند 1 / 250 ، 301 ، 4 / 416 ، 5 / 145 ، 148 ، 162 .